دارسة الأديبة الناقدة (ميلو عبيد ) لومضة الشاعر مهدي سهم الربيعي

دراسة الأديبة الناقدة (ميلو عبيد )لومضة الشاعر (مهدي سهم الربيعي)

فيما يلي دراستي التحليلية  في ومضة نموذجية ومميزة للشاعر مهدي سهم الربيعي
بداية كمقدمة لا بد من القول أن
الومضة أو (النص الصغير جدا ) هي الإيجاز الشاسع حيث تكثف الصور بطريقة هائلة الدقة والروعة ولمن يشبهها بالهايكو او يقول ان مردها الى نظم الهايكو أقول وأؤكد انها أكثر سعة فابستطاعتنا أن نخزن بها تاريخ وحضارة وحاضر ومستقبل أمم وهموم شعوب  بأكملها ،بكلمات قليلة نحفظ واقع مجتمع بكل تجلياته الزمانية والمكانية ويتميز كاتب الومضة بأنه أكثر تركيزا وحساسية وأكثر انفلاتا وانعتاقا برؤياه الشعورية ، يرى الومضة قطعة واحدة ينتقيها ويتصيدها من فضاء فكره كما اللوحة لكنها بدون إطار فكما استقطب وجذب بتركيزه كل مكوناتها من كل الجهات فإنها تعاود ومضيتها لتشع في كل اتجاه فيستقطبها ذهن القاريء كل وحسب نقاط تقاطعه معها.
هي ليست هايكو ولا أدري لما يصر البعض على تعريب الهايكو بأنه ومضة والبعض يؤجنب /من أجنبي ، الومضة ويقول انها هايكو ..
الومضة منتج عربي او لنقل محدث عربي ( ان صح التعبير )ولنا الحق ببراءة تحديثه هي أكثر شمولية ولا تقيدها قواعد . باختصار هي (حداثة) وما بعد بعد (حداثة الهايكو) لمن يصر على إقرانها به
وحقيقة سؤال يطرح نفسه ما فرق الهايكو عن الشعر المقولب المقعد /من قواعد ، المفرهد / نسبة للفراهيدي اذا كنا سنأخذه مقياسا منزلا ؟؟؟ لا شيء سوى أننا غيرنا ونقلنا الولاء والعبادة من رب إلى رب ....

الومضة :
تساقطت الأماني
تساقط زغب الريش
قربَ أوكار الذئاب
فأنشدت عواءها المرعب

الدراسة :
الرابط الدلالاي بين ( المشبه والمشبه به ) الأماني و زغب الريش  :
(تَساقَطَت .... تَساقُط) الفعل ومصدره فهو مُتَساقِط
تَسَاقَطَ الْشيء أي تتابع وتتالى سقوطه
الأماني مفردة مؤنسنة مردها الى العقل الإنسان يحلم ويتمنى ويسعى لتحقيق امانيه واحلامه ، يبني صروحا ويصعد جبالا وينزل وديانا في سبيل تحقيق تلك الأماني أي يعيش صراعا :
1- حياتيا (  سعي لسلامة الجسد )
2- وجوديا ( عقلي فكري لسلامة وجوده ) ليكون .
هذا كله أقر به  الكاتب لمجرد أنه ابتدء ب /تساقط دليل أن صرحا ما ، واقعا ما كان قائما والآن هوا تداعى / في طريقه للتغيير

تساقط زعب الريش : المعلوم أن زغب الريش هي الاوبار الصغيرة الأولية والتي تخلق مع الطائر وهي لا تنمو ولا تصير ريشا بل تتساقط تزامنا مع ظهور الارياش القوية  ....وهنا يمكن أن نقول أن الطائر انتقل من مرحلة الصغر /الضعف إلى مرحلة النمو /القوة ..وهي هنا تشير إلى الأماني الصغيرة للفرد والمتمثلة بالمأكل والمشرب والملبس وووو أماني وحاجات تؤمن له العيش الجسدي
إذا نخلص الى:
الطائر// الفرد
ريش الطائر// أماني الفرد
زغب الريش // الأماني الصغيرة والتي تؤمن حياة وسلامة الجسد كما أسلفت سابقا فلو اسقطناها من الحسبان (كونها من بديهيات حقوق الفرد ولا يجب لاحد ان يمن عليه بها ليجعله عبدا له خادما بحجة اطعامه والباسه) لبقي معنا الأماني الفكرية والعقلية للفرد (الارياش القوية) والتي بامتلاكها يمكن أن نقول  بوجودنا ....بما معناه أن السقوط هنا جاء تضاد معنوي
هو سقوط لإعادة البناء بقصد التغيير والتجديد ونهوض الفكر من حالة سبات إلى فهم ووعي متدحرج

السؤال الآن أمام من صرخ واسقطها/ نحاها ( حقه بالحياة )، وبوجه من أعلن تواجده ( أمانيه الفكرية والعقلية) لفرض معادلة جديدة 
 مجاهرة وعلانية وبكل جرأة وقوة حدد وجهة تحركه وساحة معركته  /قرب أوكار الذئاب/
- الذئاب حيوانات مفترسة تعيش على حساب ضحاياها وهي شريرة انتهازية تكمن قوتها بمكرها وخداعها بعكس الطائر
وتماهيا مع المعنى الدلالي الاول نخلص إلى أن :
الذئاب // الفرد (أو فلة من الافراد متفقون فيما بينهم على سلوكية معينة  انتهازيون يعتاشون على حساب الفرد الآخر .... الطائر المنتفض .... المظلوم والذي يسعى لأن يكون ... كما سبق وبينا أعلاه ، وهم في الغالب المتحكم الأول والأخير برقاب العباد
إذا الصراع صراعا (وجوديا طبقفكريا) بين وسطين
الأول هو الغالبية العظمى من عامة الشعب والشريحة الأوسع والمتمثلة بالطيور فكل السماءات ساحاتها وكل الأرض مسكنها
والثاني هو الأقل عددا فكلمة أوكار تدل على إمكانية تعدادهم ودلالة واضحة على حصرهم بفئة معينة لكنها الأكثر سلطوية ونفاذا
وزقزقت (استفاقت ) الطيور (الشعوب ) واشتد عودها (تساقط الزغب ) وأعلنت انقلابها وتمردها على ظالميها  /فأنشدت/ الأخيرة /عواءها المرعب/
النشيد : من معانيه في معجم الأصوات صوت الحيوان المرتفع مع لحن ، والصوت المطالب ونشد الشيء طلبه وسأل عنه ، اي بما معناه نشد ضالته ( شارع . حديقة . اغنية ..نشيد ..... أي شيء ) إلخ سأل عنها وسعى إليها ( إلى حاجته)
/ عواءها المرعب /..
لغويا هي جملة اسمية وأسميتها أعطتها صفة شيء  مسمى (الحاجة) يطلب بالأسم فتصبح الجملة تأويليا كالآتي
رفعت الذئاب صوتها الغاضب تسأل عن / عواءها المرعب/ والمكافئة للحاجة أو الضالة ؟؟؟
العواء  هو لغة الذئاب وهو أداة تعريفها ويمكن القول بأنها  بمثابة (نشيدها الوطني ) أن صح التعبير
والمنضوي تحته كل الدساتير والقوانين التي تحكم بها (شرعها) والتي بموجبها حذفت الآخر
وهي الآن تهدد وترعد وتزبد ملوحة به / فأنشدت / به يكمن خلاصها
ورأس الكلام : الفئة المتحكمة والمتسلطة  عندما استشعرت الخطر من نهوض الآخر المحكوم لوحت بافتراسه لكن قرار الآخر اتخذ وحتى لو قضي عليهم فقرارهم ساري المفعول لأجيالهم المتعاقبة فالتساقط كما أسلفنا مستمر ومتتالي والمضارعية (مضارعية الفعل) أسست لمستقبل مقاوم .
وبالعودة لشمولية الومضة وتعقيبا على ما ورد بالمقدمة نلاحظ كيف ان الكاتب تركها
 أولا - مفتوحة الزمان بإبتدائه بالمضارع أشار إلى ماض كان قائما ،ثم الى حاضر تم فيه الفعل ، ومستقبل مفتوح الرؤى 
ثانيا - مفتوحة المكان فهو لم يعط أي إشارة تدل على جغرافية معينة لنقول مثلا هذا ما حدث في / العراق .أو سوريا ..أو كوبا أو جوبا أو سنغافورة ....
مع الإشارة إلى أنه لا يمكن اعتبار جنسية الكاتب دليلا جغرافيا ( كافيا) فالكاتب الشمولي يتخطى حدود مكانه
تقديري واحترامي ------------------------------------------
                                            ميلو عبيد / سوريا
                                            22/5/2019/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وقفة صاخبة.. بقلم الاستاذ حسين الرفاعي

ضربا من خيال بقلم المبدعة هيام عبدو